ابن بسام

14

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

فاشتمل هذا القطر الغربيّ لأول تلك المدّة على بيتي حسب ، وجمهوري أدب ، مملكتان من لخم وتجيب ، مصرّتا بلاده ، وأكثرتا روّاده ، فأتاه العلم من كلّ فجّ عميق ، وتبادره العلماء من بين سابق ومسبوق ، وكلّما نشأ من هذين البيتين أمير كان إلى العلم أطلب ، وفي أهله أرغب ، والسلطان سوق يجلب إليه ، ما ينفق لديه ، حتى اجتمع في الجانب الغربيّ على ضيق أكنافه ، وتحيّف العدوّ قصمه اللّه لأطرافه ، ما باهى الأقاليم العراقية ، وأنسى بلغاء الدولة الديلمية ، فقلّما رأيت فيه ناثرا غير ماهر ، ولا شاعرا غير قاهر ، دعوا حرّ الكلام فلبّى ، وأرادوه فما تأبّى ، وطريقتهم في الشعر الطريقة المثلى التي « 1 » هي طريقة البحتري في السلاسة والمتانة ، والعذوبة والرصانة . وأنا أورد في هذا القسم بعض ما انتهى إليّ من حرّ كلامهم ، في نثرهم ونظامهم ، مشوبا ذلك كلّه بفنون فوائد ومعارف من أخبار يحسن الوقوف عليها . على أنّ الذي بلغني من شعر كلّ قطر ، ثماد من بحر ، ونقطة من قطر « 2 » ، ولقد فاتني كثير من الكتّاب والوزراء ، / وجملة من أعيان الشعراء ، ممن كان في ذلك التاريخ ، منهم من لم أسمع بذكره ، ومنهم من لم يسمح نقدي « 3 » بإثبات ما بلغني من شعره ، وربّما أجريت ذكر أحدهم غير مبوّب عليه ، ولا مشيرا إليه ، إما لشيء أجاد فيه ، وإما أن يتعلق ذكره بذكر من أجريه ، وقد أبدأ بذكر الرجل لمكانه من الإحسان ، لا لتقدّمه من الزمان ، أو لبعض ما يدعو إليه القول من نسق خبر ، أو موجب نظر ، فأول ما ابتدأت به من أهل حمص آل عبّاد لنباهة ذكرهم ، مع جودة شعرهم . فصل في ذكر القاضي أبي القاسم محمد بن عبّاد وإيراد جملة من أخباره ، واجتلاب قطعة من أشعاره « 4 » : قال ابن بسام : كان ذو الوزارتين القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عبّاد

--> ( 1 ) ط س : الذي . ( 2 ) ك : وقطعة . ( 3 ) س : يسمع نفسي ؛ ك : بصري . ( 4 ) لا مجال لحصر المصادر المعتمدة في أخبار بني عباد ، فقد جمع منها دوزي في كتابه : Historia Abbadidorum ( Leiden , 4681 ) قسطا وافرا ، وإنما نذكر هنا بأهم المصادر مثل البيان المغرب والقلائد والصلة والمغرب والمعجب والمطرب والإحاطة والروض المعطار ونفح الطيب وبدائع البداية وتاريخ ابن خلدون وتاريخ ابن الأثير والخريدة وابن خلكان والنويري ، وتعد مقارنة هذا النص بما ورد في الحلة السيراء والبيان المغرب أمرا ضروريا ، لاعتماد المصدرين على كتاب ابن بسام .